‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
السبت، 9 أغسطس 2014

"يا جحا أين أذنك؟" والوقوع في فخ الإيقاع!

هل تذكرون جحا؟ هل تذكرون قصته حين سألوه "يا جُحا أين أُذُنك؟" فرفع يده اليمني ولفها خلف رقبته ليشير إلى أذنه اليسرى! منذئذٍ صارت عبارة "يا جحا أين أذنك" تطلق على من يلف ويدور حول أمر ما بشكل ممجوج. الآن ما علاقة قصة جحا بالإيقاع الوارد في عنوان المقالة؟ تابعوا معي رجاء. في قضية حِل الموسيقا وحرمتها، هناك ثلاثة آراء: 1- هناك من يرى أن الموسيقا في مجملها حرام، ويكتفي بالهمهمات الصوتية البشرية مثلا. 2- وهناك من يرى أن الدُف وما شابهه من آلات غير وترية فقط حلال، وما عداها حرام. 3- وهناك من يرى أن الموسيقا برمتها بآلاتها الوترية وغير الوترية حلال. لكل أصحاب رأي من الآراء الثلاثة مذهب في الاستدلال على صحة ما يقولون. وتضييع الوقت في الحكم على صحة آرائهم كتضييع الوقت في المراء حول موضع الكفين في الصلاة أين يكون، هل على الصدر أم على البطن، فكل هذه خلافات اجتهادية فقهية فيها سعة وليست هذه المقالة مجالها. لذا نترك النقاش فيها لأهلها ونلتزم نحن –غير المتخصصين في الفقه- نحوها أدب الاختلاف. الدوائر الثلاث التي ذكرتها واضحة ومحددة ولا لبس فيها ولكلٍ الحق في اختيار ما يناسبه منها، لكن الآن صار لدينا مولود جديد يسمى تجاريا بالإيقاع خلط الدوائر الثلاث شر خلط. والوقوع في فخ الإيقاع صار صرعة اليوم كما يبدو. حسنٌ، ما هو هذا الإيقاع؟ وهل له من اسمه نصيب فأوقع بنا؟ الإيقاع أحبتي كلمة ملطَّفة ومطاطة لكيان هجين بين الموسيقا والأصوات البشرية، حيث يقوم شخص بتأدية اللحن بصوته، ثم يُدخل الصوت البشري إلى الحاسوب وباستخدام برامج معينة يخرج الصوت البشري بحلة جديدة فتارة يبدو كصوت الطبل وتارة كالدف، أو العود، أو الكمان، أو البيانو أيضا. وسبحان من علّم الإنسان ما لم يعلم. هنا يطرح السؤال نفسه وبقوة: هل العبرة بالصوت أم بمصدره؟ بمعنى، ما الفرق بين صوت البيانو الصريح الصادر من جهاز البيانو المعروف وبين صوت بشري تحول بواسطة الحاسوب إلى صوت يطابق صوت البيانو؟ أليس صوت البيانو بالنسبة لمن يؤمن بالرأي الأول حرام سواء أكان صادرا من بيانو أم من حاسوب أم من صدى قادم من كوكب المريخ؟ أليس هذا من ذاك وذاك من هذا؟ أين ذهب مبدأ القياس الفقهي إذا؟ من حرموا الموسيقا حرموها لما تحدثه في القلب من إلهاء من وجهة نظرهم، وهل صوت العود الخارج من الحاسوب أقل إلهاء من ذلك الخارج من أداة العود نفسها؟ الأخطر من هذا هو أنّه إذا كان شخص ما يرى أن الآلات الموسيقية حرام، أليس من المؤسف أن نجعله يستمع إلى شيء هو في محصلة الأمر موسيقا خرجت من رحم مختلف (الحاسوب) عن الرحم المعتاد (الآلة الموسيقية)؟ أليس هذا كمن يفعل مثل جحا في القصة التي أوردتها خاصة وأن الغالبية العظمى تظن أن الإيقاع أمر مختلف عن الموسيقا لأنها كلمة مألوفة وعامة ولا توحي بالكثير. لغويا، الإيقاع أو الـ Rhythm وفقا لمعجم المورد هو "الاتزان والتناغم وائتلاف أجزاء الأثر بعضها مع بعض بحيث تؤلف كلا فنيا". وهذا أمر موجود في الشعر، وموجود في الألحان بشكل عام، سواء في تلك الخارجة من آلات موسيقية مباشرة، أو الخارجة من تحوير الصوت عبر الحاسوب، أو في الهمهمات البشرية. فلِمَ يتم لي عنق الكلمة لتوصل معنى ليس معناها؟ وإن سألتموني عن الاسم الصريح والواضح لما يسمى ظلما بالإيقاع فسأقول أنه "موسيقا ذات أصل بشري" أو "موسيقا حاسوبية". فهل سنجد الجرأة من منتجي الأناشيد ليكتبوا ذلك على أغلفة إصداراتهم؟ آمل ذلك من كل قلبي. أعلم أن لهجتي حادة قليلا بل كثيرا، وعذري في ذلك أني أحب لإخوتي -حتى الذين اختاروا رأيا غير رأيي- ما أحب لنفسي. أما عني أنا شخصيا، فأنا من أصحاب الرأي الثالث وأرى أن الموسيقا وحدها ليست حراما، بل ما يحدد حِلها أو حرمتها هو الكلمات والأداء والجو المحيط بها والرسالة التي تهدف إليها، ولا يهمني أكان اسمها موسيقا أم إيقاعا. وكان بإمكاني أن أسكت وأن ألا أدخل إلى عش الدبابير بقدمي بدعوى أن الأمر لا يعنيني، بل سيكون انتشار ما يسمى بالـ"الإيقاع" بمثابة انتصار غير مباشر لوجهة نظري. كان بإمكاني ألا أبالي وأن أهز كتفي وأقول كما يقول الجميع "وما شأني أنا". لكنها العدالة، لكنه علم وصل إليّ لا يجوز لي أن أكتمه. و"من علم مسألة، فهو بها عالم" كما قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، و"من كتم علما، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" كما قال رسولنا صلوات ربي وسلامه عليه.

المسجد الكندي الصغير والأثر الكبير

صحيح أن التلفزة الكندية CBC لا يُلتقط بثها في الكويت بأي شكل من الأشكال والحيل، لكن خدمات مثل Youtube.com و Google Video صارت توفر الكثير والوفير من ملفات الفيديو التي يسجلها الهواة والمتطوعون ويبثونها على الموقع. ولا عجب إذا اختير موقع Youtube كأفضل اختراع للعام 2006 من قبل مجلة "تايم".
أما ما أتابعه منذ فترة على هذه المواقع، فهو تسجيل حلقات المسلسل الفكاهي الكندي  Little Mosque on the Prairie أو "المسجد الصغير في المَرْج" وهو مسلسل فكاهي يبث موسمه الثاني الآن، صاحبة فكرته هي "زرقاء نوّاز"، وهي مسلمة كندية من أصل باكستاني. المسلسل يحوى حوارات على قدر عالٍ من الذكاء والفكاهية معا في آن. وهو يحكي عن مسلمين يعيشون في مدينة كندية صغيرة تدعى "ميرسي" أي الرحمة، ولديهم مسجد صغير يجتمعون فيه، وهنا تبدأ الملهاة. سر الخلطة هو الواقعية، فهناك جناح تقليدي، وجناح مخالف له بين المسلمين أنفسهم، وبالإضافة إلى غير المسلمين.
 Image Image
على الجبهة المسلمة، هناك عائلة "حمّودي": الأب ياسر حمّودي اللبناني الأصل المهووس بعمله وغير القلق على الأخلاق كثيرا، وزوجته الكندية سارة التي اعتنقت الإسلام دون اقتناع تام ولا تبدو مسرورة بجميع تعاليمه رغم أنها تحرص على صلاة الجمعة في المسجد، أما ابنتهما الطبيبة "ريّان" فعلى العكس منهما، متدينة ومتحجبة ومتحدثة مفوّهة لا يشق لها غبار. وهناك أيضا "فاطمة" إفريقية الأصل والتي تدير مقهى وهي تتفق مع "بابر" الباكستاني الأصل -وهو الإمام السابق للمسجد- في أن المجتمع الأبيض شرير. أمّا عمّار، فهو الإمام الجديد للمسجد القادم من حاضرة "تورونتو" والذي ترك عمله كمحام ليعمل إماما للمسجد الصغير أعلى المرج. عمّار غير ملتحٍ، وأفكاره الانفتاحية قد لا تعجب البعض لكنه ينجح في حل كثير من المشاكل التي تنهال عليه. وهناك أيضا المراهقة ليلى ابنة "بابر" وهي تمثل الجيل الجديد من المسلمين المولودين في كندا والذي يصعب عليهم التوفيق بين إملاءات الأهل ومغريات الحياة.

Image من غير المسلمين، هناك "فريد توبر" المذيع الشرير المترصد للمسلمين عبر برنامج الإذاعي الصباحي Wakeup People أو "استيقظوا أيها الناس" والذي يكرسه للتخويف والتهويل من أي شيء يصدر عن المسلمين. وهناك القسيس "ماغيه" الذي أجّر قاعة من أبرشيته للمسلمين ليحولوها إلى مسجد ويبدو متعاطفا معهم جدا حتى أنه يعترف أنه لا يملك أن يملأ صفين في كنيسته يوم الأحد في حين تتقاطر الجموع إلى المسجد. وهناك عمدة المدينة "آن بوبوكز" التي لا تطرح فقط قضايا تعامل المسلمين مع الساسة والعكس، إنما أيضا تعامل المجتمع مع المرأة في موضع القيادة.

الحلقات ستصحبكم في مواقف كثيرة مضحكة، لكن ذكية. ستتعرفون على فكرة "الحلالووين" وهو النسخة الإسلامية للهالوين التي اقترحها عمّار، حيث ارتدي الأطفال أزياء شخصيات مستمدة من القرآن الكريم مثل التين والزيتون. وعندما صحبهم "بابر" الشكّاك ليتأكد من سلامتهم، تلقى حظا وافرا من الحلوى لأن الجميع اعتقد أنه متنكر بزي أسامة بن لادن وهو يتلاءم مع طبيعة الهالوين حيث يرتدي الناس أزياء مرعبة في الغالب! كمسلمين، قد نرى أن هذا الموقف مسيء، لكن بالنسبة للمشاهد الغربي، الأمر يثير الضحك، ويثير قدرا أكبر من الوعي.

Image وفي حلقات أخرى ستشاهدون كيف يتعامل المسلمون مع معضلات مثل رؤية هلال رمضان، وجود حاجز بين الرجال والنساء في المسجد، الحاجة إلى توظيف مدربة في مسبح النساء، عقد يوم مفتوح في المسجد لكسر الحاجز مع غير المسلمين، البحث عن مقبرة خاصة للمسلمين، وجود برنامج عن الإسلام على التلفاز، التعامل مع امرأة غامضة تلبس البرقع، بل وحتى الاستثمار في أسهم شركة تصنع عصير الشمندر!
 استراتيجية المسلسل تقوم تصوير المسلمين كأناس عاديين تحدث لهم مواقف طريفة، فيهم الكثير من الخير، لكنهم يرتكبون الأخطاء ويختلفون فيما بينهم، وباختصار، أنهم بشر. وهذه الاستراتيجية اتبعها مسلسل Seinfeld  الذي كان يهدف إلى تطبيع الشخصية اليهودية في المجتمع الأمريكي عبر تصويرها بأن شخصية "عادية" وطريفة ولها أخطاؤها كأي من بني البشر.

في إحدى الحلقات تأتي والدة ياسر حمودي من لبنان محملة ب"اللقيمات" أو لقمة القاضي، التي سمّاها ياسر بال"دونت" اللبنانية، وتأتي أيضا محملة بمهمة تزويج ابنها من ابنة عمه المترملة مؤخرا، وهنا تبدأ المعركة بين الحماة وكنتها. الحلقة طريفة جدا، لكن في طياتها شرح لموضوع تعدد الزوجات وأنه أمر يحدث لأسباب اجتماعية بالدرجة الأولى ونادر مقارنة بالصورة المرسومة في ذهن الغربي. لو قضينا ساعات وساعات نحاضر عن تعدد الزوجات في الإسلام وضوابطه لن نحقق الأثر المنشود الذي يحققه هذا المسلسل، لأنه يتوجه وبعفوية للمشاهد البسيط الذي لا يفهم في الفلسفة ولا في الفقه. إنها الدعوة عن طريق الضحك.
 Image Image

رغم ذلك، هناك بعض الأخطاء والهفوات، بعضها لا يغتفر مثل خطأ ورد في آية قرآنية كريمة في مشهد للصلاة في أول حلقة من الموسم الأول المسلسل، وبعضها يثير الجدل مثل بعض الإيحاءات غير المحتشمة، وبعض المعلومات المغلوطة التي نتجت على الأرجح عن وجود بعض الكتاب غير المسلمين لبعض حلقات المسلسل. ومن ذلك الحلقة التي تحاول سارة حمودي فيها أن تكون مسلمة صالحة وتصلي، وإذا بها تقفز من فراشها وقت الفجر إلى سجادة الصلاة دون أن تتوضأ، كما أنها تقضي وقتها كله في الصلاة ويبدو عليها الإرهاق، رغم أن الصلاة ليست بهذه الصعوبة إلا إذا كان القصد أنها شاقة على سارة لأنها غير مقتنعة بالإسلام أصلا.

المسلسل على أي حال موّجه إلى المشاهد غير المسلم بالدرجة الأولى، بيد أن بعض المواقف والصراعات الداخلية توفر مادة لنا نحن المسلمين لنتفكر في وضعنا، لنضحك عليه اليوم، على أمل أن نصلحه غدا.

فريج بني يقظان!

كنت أُحلّق أمس في "دائرة من النور" التمعت على عتبات "فريج بني نايم"، فخرجتُ وخرج الجمهور المتزاحم عازمين على أن نبني "فريج بني يقظان"! أن نبنيه في نفوسنا وفي مراعينا، فكلنا راع ومسؤول عن رعيته.

"فريج بني نايم" مسرحية للمبدعة هيا الشطي، أحيَت في قلبي الأمل بمسرح تنويري، لا يساوم على المهنية ولا يتنازل عن القيمة، ويقدر في الوقت نفسه أن يبث خفة الظل والمرح وأن ينتزع الابتسامة بكل رشاقة من قلوب المشاهدين قبل شفاههم. مسرح يقع ضمن إطار Edutainment أو التثقيف الترفيهي.
التقينا أمس مع "بو طبيلة"؛ شخصية سريالية رمزية، يضرب على طبلته لينشر قوى الظلام والنوم، وتابعه وساعده الأيمن "قِلة" صاحب المحاورات والمناورات الشقية مع "عقل". ومع "عقل" و"قلة" تنطلق أوديسة الصراع بين الخير والشر سواء أكان في نفوسنا أو على ساحة النزال المجتمعي.
التقينا مع "صالح" الذي في ظاهره الغفلة، وفي باطنه خير كثير، يتعاضد مع "بو عليوي" الشغوف بالعلوم في رحلة سريالية للبحث عن المعشوقة، للبحث عن البيضاء"! ولا يخلو الفريج طبعا من صراع بين الحداثة والماضي، بين "بو سليمان" الخائف المترقب من كل جديد، وبين "فهيد" المنطلق في بحر المادة في عصر يحق لنا تسميته بـ "عصر الطَبْعَة"* ولا ننسى "زمهرير ولد عبير"، السياسي المتغوّل.

وتدور حلقة الصراع في الفريج، وتنتصر سنة الله في الكون، ويذهب الزَبَد جفاء، ويتوصل سكان الفريج إلى الفجر وإلى النور؛ يتوصلون إلى "البيضاء"!

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد تركتكم على مثل البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك"

وترتفع في نهاية المسرحية "البيضاء"، ترتفع ويعلو جبينها كلمة "القرآن".
ترتفع الراية البيضاء، لا للاستلام، بل للسلام. اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام.


المبدعة هيا، والوصاليون، والوصاليات، لقد أبهجتم قلبي، وأذكيتم الأمل في روحي بمسرح نفخر به.

دمتم متيقظين.

أيا بدرُ، كأنّك وجهُه!

حبيبَ قلوبنا،
حين أرى القمرَ أتذكرك!

وأنت أيها القمر، أيها البدر،
افرح وابتهج، فصفحتك فيها من صفحته البلجاء.
وبهاؤك يشبه بهاءه. لا يضارعه ولا يدانيه، لكن منهُ فيك شيء. افرح وتشعشع، ومد ابتسامتك قدر ما تستطيع.
وكيف لا تجلجل فخارا، وأنت منه فيك شيء؟

أحيانا، أحيانا، أحقد عليك وأحسدك على ذلك،
لكني أتمالك ما يعتمل في صدري وأسد رمقي بالغبطة.

*****


تتدلل علينا وتعذبنا حين تبدأ بالتخفي، وتنمحق أحيانا لتزيدنا شوقا.

توقف عن هذا. إذا كنت تظن أننا سنفتقدك،
فمخطئ أنت وربي، مخطئ وسادر في غيّك!

لا تغتر كثيرا بالشعراء الذين شبّهوا حبيباتهم بك.

ولا تتلهَ بالأغانيّ والمغازلات التي تدور في فلكك.

صحيح أن وجهك بهيّ، لكن لا تكثر من النظر لنفسك في المرآة.

واستمع لي يا بدر فإني لك من الناصحين.

*****

يقال أن "البعيد عن العين بعيد عن القلب".

وُصِف لنا، وما آنسته عيوننا، بيد أنه سويداء الفؤاد.

أما أنت أيها المبتذل شهريا، قريب من القلب أنت، لا لشيء سوى لأنك في مرأى العين، في مرمى العين.

أوتقدر أن تجبرنا على حبك إذا ما صرت بعيدا عن المحاجر؟ هاه؟

أرأيت الفرق يا بدر؟ أرأيت؟

فالزم حدودك يا هذا، "وإن لكم معالم"، فانته إلى معالمك يا بدر.

*****

أيها البدر افرح وابتهج، فصفحتك فيها من صفحته البلجاء.
افرح وابتهج، فصفحتك فيها من صفحته الغرّاء.

لكن لا يطل عليك الأمدُ وتغرك الأمانيّ، فما بهاؤك إلا كسرة من بهائه.

*****

عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت أن الصحابة كانوا يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"لربما نظرنا إلى القمر ليلة البدر فنقول: هو أحسن في أعيننا من القمر"


صلى الله على محمد، صلى الله عليه وسلم.

قطعة من روايتي

قرائي الأعزاء،
فيما يلي 3 فصول من روايتي التي أنهيتها مؤخرا. يسرني كثيرا أن أتلقى آراءكم في اللغة والأسلوب والسرد.هذا ولم أختر اسما للرواية بعد، إذ لا أزال حائرة بين عنواني أو ثلاثة.
علما بأن العتب مرفوع، و"الزعل" ممنوع، وسعادتي بالنقد والتصويب أكثر من سعادتي بالثناء والإطراء.
وعليّ أن أنوّه بأن المكتوب ليس سيرة ذاتية، ولست قطعا بطلة الرواية. :)
فلا تبخلوا بغيثكم المديد. أنتظر رأيكم الرشيد. إني أستشيركم، و"المستشار مؤتمن" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا تنسوني من دعواتكم بأن أجد ناشرا مناسبا للرواية، ناشرا ذا ضمير!

عن الهصور الزؤور حين يتمطّى!

هل تذكرون الأسد الهصور الزؤور في شعار شركة Metro Goldwyn Mayer (MGM)، والذي كان كثيرا ما يظهر قبل بداية "توم وجيري"؟


دققوا فوق رأسه جيدا وستقرؤون عبارة مكتوبة باللاتينية تقول Ars Gratia Artis أي "الفن من أجل الفن". ولأجل هذا كنّا ولا زلنا نفرح ونطرب ونضحك من توم وجيري، لكن ولأجل هذا أيضا نجد أن نزعات التبلد تجاه العنف أو ربما استحسانه بدأت تظهر على الأطفال الذين يظنون أن العنف يمكن أن يكون مسليا، وأن ضرب أحدهم بسندان على رأسه لن يخلف سوى انتفاخة صغيرة!
وعلى اعتبار أن الأمور تراكمية، فهذه اللبِنة قد تكون هي ما مهد الطريق لإنتاجات سقيمة ومقززة وفاقعة العنف ترفل ثياب اللطافة مثل المسلسل "الكارتوني" Happy Tree Friends  (يمكنكم مشاهدته عبر "يوتيوب" لكن على مسؤوليتكم!)، وأهلا وسهلا بما بعد الحداثة. إنه "الفن من أجل الفن"، الفن الكامل بذاته، الفن الذي يجلب "المتعة" و"الفرح"، لا الفن من أجل التنظير والتفكير البعيد المدى، لا الفن الملتزم بعِقال الأخلاق. ما يجيء تحت عباءة "الفن لأجل الفن" شعبي، محبوب، قابل للانتشار، لكنه يعيش حالة طلاق بائن بينونة كبرى مع القيم والالتزامات الأخلاقية. على الجانب الأخرى، نرى المبدأ مبدأ "الفن من أجل الإنسان" Ars Gratia Hominis  أو "الفن من أجل المجتمع" نراه أرنبا هزيلا يفر من قسورة!

* * * * *

احذروا هذا الأسد جيدا، فقد "تمطى بصلبه، وأردف أعجازا، وناء بكلكل" وعاث فسدا في أرض الفن، ولا أقصد أسد MGM بل المبدأ الذي يحوم فوق لُبدته. فقد وصلنا هذا المبدأ وتمطى الهصور الزؤور فوق عتبات فنّنا، ونظرة سريعة على إعلانات مسلسلات رمضان كفيلة بالتأكيد على ما أقول، وقد قلت الإعلانات لأن المنتجين على ما يبدو حريصين على حشر أقذع ما يحصل في المسلسلات في الإعلانات، ربما جراء نزعة العرب في البلاغة والاختصار مثلا!

وعليّ أن أعترف أني لم أتابع أي مسلسل لا في رمضان هذا العام، ولا في الأعوام السابقة ولله الحمد وحده، فقد قررت أن أعمل بمبدأ "أرخصوه لهم". فالبعض يركض وراء المسلسلات ويحملق فيها، ثم يقضي إجازة العيد يتبرم مما فيها. واعترافي أني لم أتابع أي مسلسل ضروري، إذ يعني أني لا أقصد بهذا التحليل مسلسلا بعينه، ولا تفاصيل خاصة أزعجتني، بل هي نظرة كُلانيّة على الواقع الفني العربي من إنتاج مسلسلاتي وسينمائي.

أنا هنا ألتمس العذر لكثير من الكُتّاب العرب، فهم يكتبون والأسد إياه يتمطى في لاشعورهم، يكتبون لإرضاء هذا الكائن البدائي الكامن، هذا الحيوان الذي دخل إلى العقل الجمعي لكتاب الدراما، وهذا المبدأ الذي استولى على صولجان ساحة الفن في ظل غياب المنافس الأجدر. في الحقيقة، ليس كل الكتاب بالضرورة لديهم نيّات مبيتة و"أجندات" خبيثة تحب أن تشيع الفاحشة. بل هم قوم وجدوا آباءهم في الفن تواضعوا على ذلك، فسارعوا مقتدين "مهتدين"! وكيف لا، وهذا النوع من الفن يحوز الرضا الشعبي في الغالب (وهذا بذاته شعور مرضٍ)، وهذا يستتبع بالضرورة رضا المعلنين، الذي يستجلب الربح المادي، فكيف لا يفوز مبدأ هذا الزؤور الهصور؟

وأنت حينما تلوم أو تناقش من يدافع عن هذا الاتجاه تجده يقول لك –وهو على حق- أن  المصائب والمعائب والجرائم والجراثيم تجتمع وتلوح قائلة "مرحبا، إننا هنا! وننوي أن نستشري ونتكاثر". فهل نصعّر الخد ولا نلتفت؟ ألا يحتاج الأمر منا إلى ضربات استباقية؟
وهذا الإدعاء صحيح جدا، لكن هذا لا يعني أن نتطوع لصالح  التطبيع/التسويق للفحش، ولا أن  نمسك مكبرا للصوت ونتظاهر صائحين: لقد تُوُدِّع من الدنيا، فعليها العفاء. هذا هو الواقع ارزحوا فيه وانكفئوا!

المعالجة الدرامية للفساد الأخلاقي والفحش حتى يومنا هذا -وفي معظمها- لا تزال قائمة على رفع الفساد الأخلاقي على رؤوس الأشهاد، مانحة إياه الفرصة ليقول: "إحم، أنا هنا"، تقوم على إعطاءه منبرا أو ربما كل المنابر. ثم تصر المعالجة الدرامية- وهي تحسب أنها تحسن صنعا- أننا إزاء فن إصلاحي وواقعي، بل ربما طليعي وتقدمي ورؤيوي!

* * * * *


- س: حسنٌ يا كاتبة المقالة، {هل إلى خروج من سبيل}؟ هل يمكن تقديم فن "جيّد" دون أن يكون مدرسيا أو مملا أو "طوباويا"؟ عللي لإجابتك بأمثلة من الواقع.

- ج: نعم ممكن، مع ملاحظة أني لا أعاني من "النوستالجيا"!

"إلى أبي وأمي مع التحية" مثال على "الفن من أجل الإنسان" وعافيته واستقراره الداخلي (النفسي) والخارجي (الاجتماعي). هذا المسلسل الرائع ذي الستة والعشرين حلقة. كان مسلسلا إنسانيا، وتربويا –وحتما ليس مملا ولا مدرسيا- وكان واقعيا جدا جدا ولم يحلق في أرجاء مدينة الفضيلة.
فقد تحدث عن قضايا صادقة وصادمة كثيرة، الخيط الرفيع الذي أتقن طارق عثمان الإمساك به، هو أنه لم يلجأ إلى  الـ"التطهير" أو "التنفيس" Catharsis كما يسميه أرسطو، بل قدم حلا ما للكارثة. وكي أخرج من التنظير، نجد حلقات من "إلى أبي وأمي مع التحية" تتحدث عن مشاكل صادمة لكن صادقة؛ عن الأبناء حين يحضرون أشرطة فيديو غير لائقة، وعن الغش، وعن السرقة، وعن الحبوب المنشطة التي شاعت بين بعض الطلاب، والغيرة بين الأبناء، وعن عواطف المراهقين حين تَسُور، أو عن الأب الذي ينهى أبناءه عن التدخين ويأتيه، وعن التنافس الانتخابي، وعن السكرتيرة التي قدم تطمع في رب عملها أو قد يطمع فيها، وأخيرا عن الزوج العنيف والمرأة المعنّفة، وهذه الأخيرة مثال صافع! ففي حين نرى مسرحيات الاستلذاذ بامتهان المرأة في مسلسلاتنا هذا اليوم. قارنوا هذا بمعالجة "إلى أبي وأمي مع التحية" حين طرح هذه قضية الزوج السكير الذي يضرب زوجته وأبناءه دون عرض مشاهد عنف ضرب مباشرة "جاكيشانيّة"، بل اكتفى بأن تكتشف إحدى القريبات أثر ضرب على جسد الابنة الصغيرة. لا دماء، ولا مستشفيات، ولا ألفاظ نابية. قد يفعل البعض ذلك لكسب التعاطف مع المرأة المعنفة، ولهذا ما يحدث هو التطبيع ولا شيء غيره، ففلانة تقول "لا ضير ولا تثريب، ليست عاهة مستديمة ووضعي أفضل بكثير من فلانة في المسلسل الفلاني"!

هذا، ويظل الهزبر رابضا في الشاشات، ينهش أنى شاء من الحياء والقيم والمنطق، إلى أن يأتي وعي به يغاث الناس، ولأجله يعصرون.

حتى لا نبكي فوات القطار في عصر الصواريخ

ورقة قدمتها الكاتبة حياة الياقوت في الحلقة النقاشية التي عقدتها مجلة الوعي الإسلامي، الاثنين 24 ذو القعدة 1431 الموافق 1 نوفمبر 2010 حول "أسباب العزوف عن النقد والأدب"، بمشاركة كل من: د. محمد إقبال عروي، والشيخ طلال العامر، والكاتب أمين حميد عبد الجبار، والكاتبة حياة الياقوت.

بداية، جئت هنا محمّلة بكثير من التحايا، وواجب عليّ إيصالها:

- النبطي، والملحون، والزجل يحييونكم جميعا. ويخبرونكم أنهم في خير خير حال.

- أما "روايات عبير"، و"روايات أحلام"، وبقية القصص الرومانسية للجيب، والروايات المعربة-المهرّبة فتقرئكم وافر السلام وتقول لكم بالمناسبة "الكمية محدودة، احجز نسختك الآن".

الأدب يا قوم في صحة وعافية وبحبوحة، حتى أن وزنه ازداد مؤخرا بضعة كيلوغرامات! :)

هذه كانت مقدمة واجبة، لنعرف أن المعضلة ليست معضلة أدب، بقدر ما هي معضلة يواجهها صنف معين من الأدب. مصائب ومصاعب الأدب الفصيح، الأدب "الملتزم" –على العمومية المزعجة لهذه الكلمة- هذه المصائب ينظر لها فرع آخر من الأدب باستغراب وهو يرفل بثياب الصحة ويحمل صولجان المجد.

* * * * *

هل لدينا حقا مشكلة؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فما هي حدودها، ومن هم المتضررون، ومن سيتحمل تكلفة الإصلاح على افتراض غياب شركات التأمين الأدبي.
يقال أن "نظرية السبب الواحد سقطت"، لذا سأتناول القضية في عشر نقاط، لعل شيئا من التفسير يظهر خلالها إن شاء الله.


1) تخيلوا أن يموت الأدب!
لم عسانا نحفل بالأدب؟ تخيلوا مثلا أن يموت الأدب!
الأدب يهذب حاشية الإنسان ويشذبها، ويعدل مزاجه وانفعالاته، ويجعله أكثر تسامحا ورضا بما حوله. وبالأدب يلتفت الإنسان إلى عُوار الحياة ومصائبها، لا خاضعا طائعا، بل لأنه صار لديه العين الفاحصة ليلاحظ الشوائب وينكرها ولو وقر الإنكار في ضميره ولم يخرج للعلن. لهذا الأدب مهم، بالأدب تستظل النفس البشرية من ندوب حرب الحياة.
الأدب يرفع رايات متعددة، رايات تحذير، رايات فرح، رايات وصف، رايات تأريخ وتوثيق. ومن دون هذه الرايات، يصير المجتمع (المجتمع الصغير أو مجتمع الأرض برمته) أجرد، أعزل عن فهم ذاته، ناهيك عن تطويرها.


2) عزوف من؟
س: من الذي عزف؟ وعلى أي وتر حساس؟
ج: قد نقصد عزوف القارئ، وقد نقصد عزوف الأدباء المحتملين عن خوض غمار الأدب. أيا ما قصدنا، كل منهما يقود إلى الآخر. فأديب متحمس لا يلقى بالا من القراء، سينكفئ في محارته. والقارئ المتوقد إن لم يجد أدبا يناسب ذائقته ويناسب روح عصره وتطلعاته، ستتخطفه كلاليب كثيرة. لكن لا بد من أن نحدد المتهم الرئيس، ثم المتهم المتواطئ معه. وحتى لا ندخل في معضلة الدجاجة والبيضة -التي حلها لها الشيخ محمد متولي الشعراوي بأن جزم بأن الدجاجة جاءت قبل البيضة- نقول بكل ثقة بأن عزوف الأديب هو الدجاجة، والبيضة هي عزوف القارئ. كلاهما مليم إن عزف، لكنّ الأديب عليه واجب دفع زكاة موهبته، جنى ثمارها أو لم يفعل، فالحق عليه مضاعف وهو يعلم جيدا خط سير الدنيا، وأنها تهوى تكريم المبدعين بعد أن يردوا قبورهم!


3) هل ثمة تلازم حيوي بين الأدب والنقد؟
- س: هل المشكلة مشكلة أدب أم نقد؟
ج: كليهما معا. إن كثر الصاغة وغاب المحتسب، فنحن أمام جريمة شروع في الغش التجاري. عافية النقد ضرورية لحماية المستهلك-القارئ، وحماية تاريخ الأدب وتطوره وسمعته. غياب النقد يعني أن يكون الأدب "مالا سائبا"، وأن يخلو الجو للأعشاب الضارة.
وأنا هنا أتكلم عن حركة نقدية جدية، لا عن النقد الذي كالمديح، ولا عند النقد الجارح لتصفية الحسابات. أتكلم عن النقد الذي لا يخاف في الله لومة لائم. وعلينا أن نقر أن هذا النوع من النقد –شأنه شأن الموضوعية- عزيز. لماذا؟ أولا، طبيعة مجتمعاتنا التي ترى في النقد مشروع عداوة. ثانيا، غياب قنوات النشر المنهجية لهذا الرافد المهم. فما نقرأه من نقد حاليا يأتي بشكل رئيس في الصحافة وهي لا تسمح لظروف المساحة ولطبيعة الجمهور القارئ بنقد سابغ ناجز، والرافد الآخر هو المجلات وبالأخص العلمية المحكمة، وهذه لها جمهورها الأكاديمي النخبوي جدا.
الخبر السار هو أن ثمة تحولا رئيسا في حركة نقد الأدب والمنشورات بفضل الجيل الثاني من الـ"ويب". فمواقع الشبكات الاجتماعية فتحت البوابة للقراء لإبداء أرائهم فيما يقرؤون. وصحيح أن آراءهم ليست أراء متخصصة، لكنها نبض الشارع، وقد تسر أديبا مغمورا لم يلق بالا من الأطر التقليدية. وموقع Goodreads.com مثلا يوفر منصة ممتازة حيث صار يحوي بجهود القراء على قاعدة بيانات ممتازة من النتاج العربي المنشور، ممهورة بتقويم القراء وآرائهم التفصيلية ونقاشاتهم. قد لا يكون النقد المُمنهج الذي نتوخاه، لكنه شقيقه التوأم.


4) الفصحى: أمة ولدت ربتها!
الفصحى؛ تلك الحرة، تلك السيدة التي صارت اليوم أَمَة وولدت ربتها (العامية). وهذا على أي حال من أشراط قيام الساعة. لماذا نتعامى عن العاميّة؟ إنه عصرها اللامع، ومن الطبيعي أن يربو ويزهو الأدب المكتوب بها. ودون إحصائيات، حاولوا أن تقارنوا مثلا بين مشاهدي "شاعر المليون" و"أمير الشعراء" وستعلمون جيدا ما أقصد.
وأنا هنا لست متشائمة كثيرا، لأني أرى أن الأدب بوابة جيدة لإعادة مجد الفصحى خاصة وإن تعاون مع الفن والإعلام بشكل متزن. الفصحى لها خاصية توحيدية، تمكن القارئ العربي أينما كان من فهم ما يقال في العمل الأدبي، والعربي يعلم في قرارة نفسه بذلك، لكنه في النهاية ضحية الـ" عين لام ميم"؛ الإعلام والتعليم.
وكي أدلل على أهمية تظافر الأدب والفن والإعلام، خذوا مثلا "الأناشيد" التي غالبها بالفصحى، كم قربت "مواطن الشارع" من الفصحى وساهمت من تعريفه ببعض روائع الشعر، وساهمت في كسر جمود الفصحى والصورة النمطية التي رسمتها لها المسلسلات التاريخية.


5) الملح الفاسد والعسل الدبق
لا أجد سببا لتسميه الأدب بهذا الاسم في العربية سوى لأن له من اسمه نصيب، فهو محكوم بدور قيمي، "رسالوي"، "ملتزم" شاء أم أبى، شئنا أم أبينا. لا يكون الأدب أدبا إن عازه الأدب، والإسكافي الحافي مضحكة الحي.
لطالما تصارع اتجاهان: "الأدب من أجل المجتمع" و"الأدب من أجل الأدب". الأول يرى أن هدف الأدب تحسين أحوال المجتمع وإصلاحه، والثاني يرى أن الأدب نزهة، أن الأدب نوع من أنواع السلع الترفيهية التي لا داعي لتحميلها شعارات أكبر من حجمها. ولا يزال بعضهم يموج في بعض حتى اليوم.
"الأدب من أجل الأدب" ظريف وسهل القراءة ويعرف جيدا كيف يمسك بالعصب المناسب ليجعل القارئ يتعلق به. علينا أن نعترف أن مبيعات هذا النوع من "الأدب" مبيعات عالية جدا، وقد تكون هي الأعلى، تأتي بموازاتها أو بعدها الكتب الدراسية وكتب "تطوير الذات".
أقول هذا لا للتحبيط، بل حتى لا نستسمن هذا الصنف، وكم من شخص يعاني من التخمة ومن سوء التغذية في آن واحد. هناك الكثير من القراء النهومين لهذا الصنف، لكن تأكدوا أنهم بحاجة إلى الكثير من الفيتامينات والمعادن حفاظا على صحتهم النفسية وتوازنهم الاجتماعي.
يقال "إذا فسد الملح، فبما يملّح"، وإذا فسد الأدب، فكيف لا يتسلل الرضا بالقبح إلى نفس القارئ. كيف لا يفسد الأدب، وهو يصر أن دوره هو وصف القبح والإشارة إليه بسبابة كبيرة، أن دوره نثر السباب على اعتبار أن هذا هو الأمر الواقع؟ الأدب مثل العسل، لذيذ في الفم، دبق على اليد. وحين يصر من يصر أن دور الأدب هو الوصف فقط أو الإمتاع فقط، فإننا إزاء برميل كبير من العسل، بل من الدبس الدبق، ينهرق على رأس المجتمع.
أعلم جيدا أن البعض يرى سذاجة أن يكون الأدب هو حامل لواء الإصلاح، وأن هذه نزعة قديمة تجاوزها الزمن بمراحل. لكن البديل أن يكون أدبنا كأخضر الدمن، جميل جدا لكن في منبت سوء. أقول هذا حتى لا يكون أدبنا مما يتبعه الغاوون. اليوم فاسد، غدا مُفسِد.


6) {ليسوا سواء}
"ليسوا سواء"، فإذا أردنا أن نرتب صنوف الأدب على قائمة القبول سنجد أن للشعر أو للرواية مكانة أفضل مثلا من النصوص المسرحية. وهذا الوعي ضروري للعلاج. ومن الضروري أن نعي أيضا أن ثمة ارتباطا وثيقا بين عالم الفن والأدب، أو لكي نكون أكثر دقة، فهناك من يصنف الأدب نوعا من أنواع الفنون الجميلة السبعة. وهذه القطيعة بين الأدب "الرسالي" وبين الفن مشكلة عويصة. فالفن (تمثيل درامي، مسرح، إنشاد/غناء) هي منصة الانطلاق في هذا العصر للأدب. وهذا يعيدنا لنقطة الإعلام التي طرحتُ آنفا. على الأدب الرسالي أن يجد مساحة لقاء مع الفن، وأن تكون المعادلة معادلة ربح لكلا الطرفين، لا تُخسر فيها القيم، بل تنتصر، وتكسب معها صفوف الجماهير.


7) الحصافة في التعامل مع الصحافة!
إذا عددنا المقالة صنفا أدبيا، فهل تأكل الصحافة حصة غير مشروعة من عالم الأدب والقراءة بأن صنعت للمقالة عالما لوحدها، فانطلقت وحلّقت، تاركة خلفها بقية الصنوف ترثي بوارها، في حين أن مقالات الهموم اليومية صارت الخبز وقهوة الصباح؟ وهل كفّرت الصحافة عن إثمها بأن قدمت صفحات ثقافية جيدة؟
الإعلام أكل جزءا من الكعكة، نعم. لكن هذا لا يبرر أن نترك بقيتها تحترق في الفرن. لا بد من حصافة في التعامل مع الصحافة بشكل خاص والإعلام بشكل عام. وإن كان الأدب تقزّم قليلا، فلا حرج أن يساعده عملاق الإعلام في استعاده مكانته أو شيء منها.
هذا يذكرني بالجمعيات المهنية. ألا ترون شبها بينها وبين إقطاعيات القرون الوسطى؟ هي ليست استثناء من المناخ العربي السائد. وكون أعضائها الصفوة لم يكون كافيا لتصفيتها وتخليتها، فدعوا عنكم التحلية. علامة استفهام كبيرة، وعلامة تعجب أكبر تحلقان في الأفق.


8) عين لام ميم: أيحسبُ التعليم أن يترك سدى؟
الإعلام مسؤول. التعليم مسؤول جدا، جدا، جدا. في حصة التعبير تأتي التعليمات كما يلي:
"يعد كذا وكذا مهما جدا، عبر عن رأيك بهذا الأمر بأسطر وقدرها كذا "
تعليمنا ممتاز ليس في قتل الملكات اللغوية، بل وحتى في قتل ملكات التفكير. إنه يستولي على مقدرة الطالب على تكوين رأي بنفسه. إنه يُكوّن له الرأي سلفا، ثم يطلب منه الانطلاق والتعبير عن الرأي "الصحيح" الذي هبط فجأة. العصفور يغرد في القفص، نظن أن صوته جميل. لا نفقه ما يقول، لعله يدعو علينا!
أتذكر جيدا منهج اللغة العربية في الثانوية. كنا نشرّح النص كما لو كنا نشرّح ضفدعا في حصة الأحياء: الأفكار الرئيسة، الأفكار الفرعية، الثروة اللغوية. أسلوب ممتاز جدا كي تكره الأدب، مشروع قتل قارئ، وشروع في قتل أديب محتمل.


9) النشر، وما أدراك ما هو؟!
يقول د. غازي القصيبي: " الناشر والمنشار. هل لاحظت الشّبَه؟"
فلنتفاءل، ولنقل أن الأدباء لم يفت عضدهم كل هذا، وأن القراء مستمسكون بعروة القراءة الجادة. لكن ما نفع هذا دون قنوات نشر مسؤولة؟ أكثر ما يثير إحباط الطرفين على حد سواء سلوكيات دور النشر التي تزن العمل بمعيار الربحية فقط لا بمعيار الجودة. وأنا هنا لا أتناسى أنها كيانات تجارية، لكن لكل كيان تجاري مسؤولية مجتمعية، وحمل أخلاقي. وأنا أتفهم أن رأس المال جبان، لكن أيهما أهم الاستثمار في رؤوس المال أم في الرؤوس والعقول؟
جاء النشر الإلكتروني ليحل جزءا كبيرا كبيرا من المعضلة، وجاء أيضا بمعضلات جديدة. فهذا السديم الإلكتروني المتمدد أتاح المجال للطيب والرديء، وعلي القارئ أن يصرف الكثير من الجهد في الفرز والتمحيص. ففي دار ناشري للنشر الإلكتروني (nashiri.net) اضطررنا ومنذ فترة إلى إيقاف قبول المشاركات في مجالات الشعر غير العمودي والخاطرة والقصة القصيرة لأن الكم الذي يصلنا غير معقول، فجأة صار ثلث العرب شعراء، والثلث الآخر كتابا للقصة، والثلث الثالث على الطريق. وفرز الجيد -القليل بالمناسبة- مما يأتينا كان عملية مملة ومتعبة.
من جانب آخر، أن علينا أن نعترف بأن ثمة نظرة كامنة بأن ما ينشر على الإنترنت أقل شأنا من المنشور الورقي، وهذا الصورة الذهنية ستحتاج وقتا طويلا لمعالجتها. ولنأمل خيرا.


10) ما بعد الكونكورد
أعلاه كان ما أراه عن واقع الأدب في عصرنا هذا. فلنعترف، لقد أضعنا تذكرة القطار، وليس العيب هنا. العيب أن نبكي فوات القطار ونحن في عصر الصواريخ. حتى طائرة الكونكورد أحيلت للتقاعد.
الأدب يمكنه أن يكون بعافية بشرطين: أن يعي دوره الرسالي، وأن يمد كل أيديه إلى الفن والإعلام، وأن ينظر بتفاؤل وجدية إلى الآفاق الإلكترونية. هنا سيمتطي صاروخا، ويشاهد – من علٍ- مقبرة القطارات المحكوم عليها بالإعدام.

{تلك عشرة كاملة}.

ويسألونك عن الكتابة

بين الفينة والأخرى أُسئل سؤالا محرجا مزعجا وهو "كيف أتعلم الكتابة؟". ورغم مرور قرابة الاثنتي عشرة سنة قضيتها في الكتابة، فإني أتلجّم وأتلعثم أمام سؤال كهذا؛ سؤال يتوقع إجابة علمية وعملية على أمر أقرب إلى الفن. حينها لا أملك إلا النجاة بالصدق، فأقول للسائل "اتبع نظام اخدم نفسك بنفسك؛ اقرأ ولاحظ ما يفعلون، وستعرف سر الصنعة".
لا ضير من تعليم الناس كيفية كتابة البحوث مثلا أو التقارير أو الأخبار الصحافية أو غيرها من صنوف الكتابة الرسمية التي لا تخلو من قواعد حاكمة، بيد أني لا أستطيع أن أخفي استغرابي حين أرى إعلانا لدورة في الكتابة الإبداعية (مقالة أو قصة قصيرة مثلا)، تعلّم الناس –في الغالب الأعم- الكتابة على الطريقة الحربية! إذ يعلمونهم أن للمقالة مقدمة ومتن وخاتمة، تماما مثل الجيش الذي له مقدمة وقلب وساقة. هنا، لا أجد فرقا بين البحث العلمي والمقالة إلا في الحجم، تماما كالفارق بين الجيش والسريّة! دعيت ذات مرّة إلى دورة مشابهة، ففضلت الحديث عن الأخطاء اللغوية التي يقع فيها الكُتّاب، بدلا من تعليم الحاضرين كيفية ربط الكلمات والفقرات بالصمغ.
وإذا كنتم ترون أني أبالغ، اطلبوا من أي كاتب قصة شهير أن يحدد لكم "العقدة والحل" في قصته، أو اطلبوا من كاتب مقالة متميّز أن يحدد لكم الفكرة الرئيسة والأفكار الفرعية في مقالته (كما كانوا يطلبون منا أن نفعل أيام الثانوية) وستجدون كليهما يستميحكم بعض الوقت ليعيدا قراءة ما كتبا ليستخرجا ما تطلبون؛ فهذه الأمور لا تحدث أثناء الكتابة عن وعي وسبق ترصد، إنما هي عفو القريحة، كما أن كثيرا منها تخرج عن السياق القواعدي، ورغم ذلك يظل لها سحر ورونق. أوليس من الإجحاف إذا أن تطلبوا من الناس أن يسيروا على قوالب في حين أن خياراتهم فسيحة وبحجم الكون؟! أما إذا كان الهدف من هذه الدورات وهذه الآليات في التدريس تخريج ناقدين ومحللين متخصصين، فهذه نُقْرة أخرى، لكن ومن باب الأمانة، كان يجب على عناوين هذه الدورات أن تعكس مضمونها الحقيقي.
وفي السياق عينه، هل يمكن حقا أن تكتب دون أن تقرأ؟ دون أن تلاحظ كيف يكتبون، فتبني بعدها أسلوبك الخاص في الكتابة؟ هل يمكنك أن تكتب دون أن تعي جيدا أن اللغة هي مطية الفكرة لا العكس، فلا تقع في فخ الإغراق في الكلمات الغريبة أو العبارات غير المفهومة فقط لتستعرض قاموسك وذخيرتك من العتاد الكَلِمي؟
شاهدوا إعلانات دورات القراءة التي تنتشر هنا وهناك؛ أنهم يعلمون الناس أن يقرؤوا بسرعة الشهب، لكنهم لا يعلمونهم كيف يقرؤون قراءة سليمة عاقلة، قراءة ناقدة ونافذة. والأهم من هذا كله، لا يعلمونهم كيف تكون القراءة زادا يوميا، فما فائدة تمكنك من القراءة بسرعة إذا كنت ستكتفي بقراءة الأخبار المفجعة، وبعض المقالات المملة مثل مقالتي هذه؟!
الكتابة جهاد لا يتم إلا باجتهاد، ومن يتصدى له عليه أن يدرك أن الآية الكريمة "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ" موجّهة له.

خوفا من الأديب-الكاميرا

حينما كان الشعر ديوان العرب، كانت العرب تقول "أعذَبُه أكذبه". وحينما صارت الرواية ديوان العرب وديدنهم، صار "أعذبه أوقعه"!
1- هذا الأديب برعاية ...!
للأمانة، من الصعب أن نفصل عن الكذب المباح؛ فهناك عقد ضمني بين الأديب والقارئ/السامع بأن ما يرد من أحداث هو خيال كامل أو جزئي، وبأن هذه التراكيب لا تصح فعلا، إنما في أسلوب أدبي. بل لربما من الصعب فصل اللغة عن الكذب، فالمجاز يحتل قسما لا بأس به من اللغة، وهو –عمليا- نوع من الكذب. لكن الناس تواضعوا على قبوله. ومن قالوا أن أعذب الشعر أكذبه. وليس عن كل هذا أتكلم اليوم، بل أتكلم عن نوع آخر من الكذب، فقد بالغ بعض (أو حتى كثير من) العرب في التجوز في الكذب، فخرجوا عن الكذب الأسلوبي والكذب في الأحداث إلى التزلف وإلى استخدام الشعر مثلا كأداة إعلامية "بروباغاندا" لكياناتهم الاجتماعية في الجاهلية، وإلى وسيلة للمدح الارتزاقي كثير بعض الحقب.

قرون مرت منذئذ، وقلبنا ظهر المجن على ما يبدو. فهناك حركة انقلابية أدبية تعتمل منذ فترة طويلة، وقد وضعت ركائزها وأوزارها وصارت سيدة الموقف. فالرواية (وهي العنصر الأدبي الشعبي في هذا العصر، مقارنة بالشعر في عصور سابقة) أصدرت ردة فعل تجاه هذه التركة الهائلة من الكذب والتزييف والتملق الذي ينوء به تاريخ تراثنا الأدبي. فصار الحل هو تصوير الواقع كما هو، بقبحه وشره ولؤمه. ينتشر الهتاف في الجو: "لا للنفاق، لا للتزلف، لا للتزييف!"، وبدلا من "أعذبه أكذبه" صار الشعار "أعذبه أوقعه" أو أكثره واقعية.
جميل جدا، لكن هذه الواقعية صارت وثنا! لقد صنّمنا الإخلاص للواقع كما صنّم أسلافنا الكذب. أترانا نتبع قانون نيوتن الثالث: "لكل فعل رد فعل، مساو له في القوة، ومضاد له في الاتجاه"؟ حينما ننظر إلى لأعمال الأدبية الحالية، نجد نزعة مفرطة ومغرقة في تصوير الواقع كما هو، بإخلاص مفرط وتفريطي، وكأن الأدب مهمة تسجيلية. هنا علينا أن نقلق حينما يمد الأدباء أيديهم وكلماتهم ليتحولوا إلى صحافيين، بل إلى كاميرات ترصد الواقع كما هو. نعم الواقع قبيح وبذيء وشرير، لكل هل مهمة الأدب فقط هي تسجيل ذلك، ورميه في وجوه وعيون وعقول القراء؟ وكأني أرى الأدباء يصطفون قبيلا، كل واحد منهم يرتدي قميصا رياضيا مرسوم عليه شعار الجهة الراعية: "هذا الأديب برعاية كوداك"، "هذا الروائي برعاية كانون"، "هذا القاص بتمويل من "نيكون"!
حتى على مستوى اللغة، نجد التقعر لدى بعض قدماء الأدباء في حقب زمنية تشمل جزءا كبيرا من تاريخنا الأدبي، فأدبهم كان للقصور وخاصة الخاصة، وليس للعوام والبسطاء. فكلما كان الأسلوب أصعب، يسهر النخبة يختصمون جراءه، كلما كان أفضل. أما الآن، فالعكس تماما، تجد التبذل اللغوي فاشيا، ونجد خلط العامية بالفصحى، ونجد كلمات أجنبية مكتوبة بحروف عربية. كل هذا تكون الرواية أشبه بشيء يحدث أمامنا، لتكون شيئا مبتذلا وسائغا.

2- بين نظريتين
هنا لا بد من وقفة، ليس للرصد والمتابعة فقط، ولكن كي ننقذ الأدب من كلا حدي سيف التطرف المزدوج. هنا ستثور الكثير من النقاشات النقدية، التي لن تخرج عن نظريتين: هناك من سينادي بنظرية "الأدب من أجل الأدب"، وهناك من سينافح عن نظرية "الأدب من أجل المجتمع أو الإنسان"، وهذا النقاش موجود من ليس فقط في الأدب بل حتى في الفن. هل لاحظتم شعار شركة MGM الذي يظهر في بدايات الرسوم المتحركة "توم وجيري"؟ العبارة المكتوبة أسفل رأس الأسد تقول: Ars gratia artis أو الفن لأجل الفن. الفن لأجل نفسه، لأجل جماله والمتعة التي يطرب بها النفس، ولا اعتبار لأية قضايا أخلاقية أو مبدئية. الأمر مثل النكتة، مسليةٌ وتضحكك من قلبك. هذه هي النكتة من أجل النكتة، من أجل السرور التي تبعثه في القلب. لكن لاحظ أنه يمكنها أن تكون عنصرية، يمكنها أن تكون بذيئة. نعم، في كل الأحوال ستضحك كثيرا، لكن لاحظ جيدا أن الخيار الأخلاقي هنا مؤذ لضميرك. ألا تشعر بوخز الخزي وأنت تتفوه بنكتة عنصرية تسخر بها من فئة ما؟ ألا تشعر بشيء يحيك في صدرك حينما تتناقل نكتة بذيئة تخدش الحياء؟ أنت تضحك، ومن حولك يضحك، لكنه الإثم "حاك في الصدر". وحتى إن أطلعت عليه الناس وضحكوا، في قرارة نفسك، ستجدك "كرهت أن يطلع  عليه الناس". كذلك الأمر في الأدب، مثير جدا أن تقرأ رواية تصور لك كيف ينتصر الفسدة، وكيف يكون الشر هو الأمر الواقع، هذه النوعية من الأعمال تشعرك بخدر ورضا عما يدور حولك من منكرات، إنها تهدهدك وتقول لك: "الدنيا كلها تسير هكذا، نعم إنها قبيحة، لكن استسلم لها كغيرك، أنت لست وحدك". هذه الأعمال تجعلك مثل الـ"هامستر" المنكود في عجلته الظالمة، بدل أن تعلمه الانزعاج والتفكير في القفز خارجها بل وربما خارج القفص، تأخذه في جولة وتريه كيف أن كل أبناء جلدته يدورون في عجلات مثلها. فيستكين ويدور، ويدور، ويدور. نعم، يدور راضيا، سعيدا، متبلدا، لكن ليس لمثل هذا خلق. وليس من حق البشر أن يحبسوا الهامسترات في أقفاص، ويستغفلوهم بتلك العجلات الدوارة، بتلك الأُلهية التي تبدد إحساسهم بالانحباس. يدعون أن الهامستر يحب اللعب بها، وما أحب اللعب بها سوى لأنها بديله عن الحرية، ولأنها تذكره بها.
هنا تأتي نظرية الأدب/الفن لأجل المجتمع، لأجل الإنسان. فيها يخرج الأديب من تصوير الواقع لأفق أعلى. نعم، لا بد من تصوير فحش الواقع ورزاياه، لكن "ثم ماذا؟"، هذا هو السؤال الذي ترفعه هذه النظرية. هنا تظهر أوجه عديدة لمحاولة وضع هذه النظرية موضع التطبيق. مع صعود الاشتراكية، ظهر لنا مصطلح "الأدب الملتزم" و"الفن الملتزم"، وأظهرت لنا الشيوعية مصطلح مثل "الجدانوفية" المتطرفة التي كانت تدعو إلى تسخير الأدب للتمهيد للثورة الاشتراكية وتمجيدها. وهناك أيضا أدب النضال الذي ظهر في الحقب الاستعمارية، ووجوه كثيرة ليس هذا موطن حصرها. كلها وجوه مشروعة، وكلها وجوه نطلب المزيد منها، قد نختلف معها أو نتفق، لا ضير ولا تثريب. المهم أن تكون الغاية من الأدب أن ترفع الإنسان إلى أفق جديد لا أن تبقيه في إطار الواقع وفي إساره.

3- الأدب النظيف، الأنظف من اللازم!
هنا يثور سؤال مشروع جدا، هل على الأدب أن ينتهي نهاية سعيدة مجيدة دوما، فيها ينتصر الخير، ويعيش الجميع في سلام؟ اللهم لا، وألف لا! من قال أن مهمة الأدب التدليس على الناس؟ من قال أن مهمته أن يغني لهم أنّ "الدنيا ربيع والجو بديع"؟!  لا بأس، بل لا بد للأديب أن يصور الواقع القميء السيء الشرير الخبيث ... إلخ. لكن الخلاف هو طريقة هذا التصوير، والغرض منه.
لستُ مع أدب الخرافات، أدب "الثبات والنبات" حيث ينتصر الخير في النهاية مهما حدث. هذا الأدب سلبي وغسل عقولنا، بل في حقيقة الأمر أفسدها ولوثها. ولست أيضا مع أدب التكيّف التام مع الواقع، الذي يصر أن الواقع سيء وفاحش، فارتعوا فيه واركنوا إليه، والسلام عليكم. الأدب الذي أحبه قد ينتصر فيه الشر، بل كثيرا ما ينتصر فيه الشر، لأنه أدب لا يدلس على الناس ولا يعيشهم في غمامات وردية. هو يصور لنا القبح وانتصاراته المحتمله، لكنه يجعل القارئ يرفض أن يكون هذا المنتصر الشرير، لأنه انتصار المخذول، انتصار غير أخلاقي، انتصار عبارة عن انهزام في عين القارئ وعقله وقلبه. فيقول: هذا المنتصر لا أريد أن أكونه. الواقع قبيح، وكذلك كثير من الناس، لكني لا أريد أن أكون منهم.

4- إطلالة على القَصص القرآني
في القرآن الكريم، نجد سردا لمواقف في غاية البشاعة، لكن عبّر رب العزة عنها بتعابير وتراكيب في غاية الرقي. وكما قال العلماء "أن الله حَييّ، يكنّي". فنجد مثلا موقف امرأة العزيز مع يوسف عليه السلام. ونجد أفعال قوم لوط البشعة، وفي قمتها حين ورود الضيوف إلى لوط عليه السلام. فاختصر القرآن الكريم الأمر يقوله {ولقد راودوه عن ضيفه}. لكن لم يسكت ليترك للإنسان الانسدال في التفكير في الأمر، بل ذكر العاقبة الأخلاقية لأفعالهم {فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر}.
هنا قد نتساءل، هل على جميع القصص أن تنتهي نهاية سعيدة، وينتصر الخير، ويبطل الشر ولو في النهاية؟ اللهم لا! هل نسيتم قصة ماشطة بنت فرعون التي قضت وأبناءها بالزيت المغلي؟ هل نسيتم أصحاب الأخدود الذين قضوا حرقا؟

5- الأدب الرائع والأدب المريع
- الأدب الرائع يقول لك أن الظلم موجود، وأنه –وللأسف- غالبا ما ينتصر، لكنه ينبهك إلى أن الظلم قبيح، وكلما زادت انتصاراته، كلما زاد قبحه في عينيك.
الأدب المريع يقول لك: "أضف إلى معلوماتك، الظلم موجود، وهنيئا لما بات ظالما لا من باب مظلوما"!
- الأدب الرائع يصف المرض. قد لا يعالجه لكنه ينبهك أنه معدٍ أو قاتل ويتركك مع ضميرك لتقرر ماذا ستفعل بشأنه.
الأدب المريع يصف المرض، ويدعوك للتطبيع معه أو حتى للتلذذ به.

بين التناص والتلاص، أين الخلاص؟!

 ما أرانا نقول إلا مُعَارا ***  أو مُعَادا من لفظنا مَكْرُورا
(زهير بن أبي سُلمى)

بين التنَاص والتلاص مزالق كثيرة.وإن كنتم تتساءلون عن معنى التناص، فمثالٌ عليه الجملة الأولى في هذه المقالة، ففيها تناص مع المثل القائل "بين الشفة والكأس مزالق كثيرة". فالتناص نوع من أنواع إعادة الاستعمال غير المباشرة، هو اقتباس لروح الفكرة، وإعادة صياغته في سياق آخر قد يكون مختلفا تماما. وأعلم أن هذه المصطلحات النقدية ثقيلة على القلب وعلى العقل، لكن "لا بد مما ليس منه بد". مهلا، هل وضعت لتوّي عبارة "لا بد مما ليس منه بد" بين علامتي تنصيص؟ أجل، هذا اقتباس مباشر، أو استشهاد. وبين العوالم الثلاثة (عالم الاقتباس المباشر، وعالم التناص، وعالم التلاص)، مزالق، ودروب لحِجَة، وعراكات نقدية كثيرة!

على قدمٍ وساقٍ، "ساق البامبو"

السؤال الأول:  (درجتان)
مُراعيا أصول التلخيص التي تعلمتها، لخّص فيما لا يزيد عن أربعة أسطر رواية "ساق البامبو" للروائي الكويتي سعود السنعوسي.

الإجابة:
تزوج راشد الطاروف سرا بالخادمة الفلبينية جوزافين، التي أنجبت له صبيا سمّاه عيسى. تحت ضغط الأهل اُضطر راشد إلى إرسالها ووليدهما إلى الفلبين، حيث نشأ عيسى/هوزيه وقد حمّلته أمّه بفكرة أن الكويت فردوسه الموعود. لكنه حينما عاد للكويت، اكتشف أنها ليست كذلك، فعاد للفلبين حيث تزوج ابنته خالته التي طالما أحبها، وأنجبا صبيا، وعاشا في سعادة وهناء.


* * * * *
هكذا يمكنني تخيل سؤال منهجي قد يرد مستقبلا عن هذه الرواية. وهذا ليس مجرد تمرين على التلخيص، بل درس بأن القصة العامة ليست كل شيء، فإنما الروايات بتفاصيلها.

فحينما نتمعن في ملخص القصة، نجد -ويا للغرابة- أننا أمام شيء قريب من الميلودراما بكل المعنى السلبي للكلمة. شيء قريب مما قد نقرأه من القصص الشاجية في الصحف الفضائحية، أو المنتديات، أو ما قد يستعرضه برنامج تلفزيوني اجتماعي يهدف للإثارة. لكن مهلا! لا تحكموا على كتاب من عنوانه، ولا على رواية من ملخصها. 

يقول عمر بن الوردي:
خذ بنصل السيف واترك غمده *** واعتبر فضل الفتى دون الحُللْ
القصة الواردة أعلاه كانت الغمد فقط، غمد بسيط في الحقيقة، لكنه يُقِل سيفا حادا ذي نصل موجَّه إلى مفاصل مهترئة في مجتمعنا.

من طمع «طبع» ... طبعةً جديدةً

ترى، كيف سيكون شعور الكاتبة الشهيرة «ج. ك. رولينغ» مؤلفة سلسلة «هاري پوتر» الشهيرة حينما تعلم أن بعض إصدارات سلسلتها قد قفز إلى «الطبعة السادسة والسابعة» في اللغة العربية، في حين أنه لا يزال في طبعته الأولى باللغة الإنكليزية!
قبل أن نستقصي الشعور المحتمل للمؤلفة، علينا أن نفهم ماذا تعني كلمة «طبعة»، وكيف أن هذا المصطلح الدقيق والنافع تحول إلى أداة تضليل على القارئ في عالمنا العربي.
ما حدث هو أن هناك خلطا – قد يكون متعمدا بغرض التدليس أو بريئا بسبب الجهل- بين مفهوم الطبعة Edition وإعادة الطباعة Reprint. ومن الظاهر أن الغالبية الساحقة من الناشرين العرب لا يستطيعون التفرقة بين المفهومين، أو لا يريدون، أو كليهما معا!